<
بقلم ك. أو كوشي
ترجمة حسام جميل مدانات (عن تقرير مقدم إلى المؤتمر السادس عشر للاتحاد الدولي للمساحين (FIG)، منرو، سويسرا، 1981)
1- فجر اليابان الحديثة
- انهيار الإقطاع
في عام 1868 حصلت ثورة سياسية في اليابان عرفت باسم "استعادة حكم الميجي " وأطيح بالساموراي الذين حكموا اليابان نحو 300 سنة، واتبعوا سياسة الانعزال عن العالم. وهكذا تسلمت حكومة الميجي السلطة، وألغي النظام الإقطاعي في ملكية الأراضي تدريجيا خلال 5 سنوات. وفي عام 1873 صدر مرسوم "مراجعة رسوم الأراضي" واعترف رسميا بالملكية الخاصة للأرض.
2- نص المرسوم على إلغاء الضريبة أو الأتاوة العينية التي كانت تدفع للإقطاعيين في العهد السابق. وكان الهدف هو تمكين المزارعين من تملك الأراضي الزراعية ودفع الضريبة نقدا (وليس عينا) للحكومة. وفي عام 1872 أصدرت سندات التسجيل باسم المالكين لأول مرة وفرض رسم يعادل 3% من قيمة الأرض التي تقدرها الحكومة. وكان هذا بداية نظام تقدير القيم في اليابان. أنشأت الحكومة مكتبا لمراجعة رسوم الأراضي وتطلب ذلك إجراء مسح للأراضي، فلجأت الحكومة إلى إجراء (غريب بالنسبة لنا)، ألا وهو تدريب مالكي الأراضي على مسحها بطرق بسيطة في البداية ثم بطرق أصعب وأدق. ثم وظفت الحكومة مساحين وحاسبين ليعملوا في القرى التي تفتقر لمهارات المسح. وقد أنتجت في تلك الحقبة خرائط ممتازة من حيث الدقة وجودة الرسم، لدرجة أن بعضها ما زال معتمدا حتى اليوم.
عندما بدئ بالمسح العقاري للأراضي الخاضعة للرسوم جرى أيضا تقدير قيمها. في البداية كان هذا ضرريا حتى يمكن شراء الأرض وبيعها كما هو الحال بالنسبة للسلع المنقولة. وعلى أي حال لم يكن تقدير قيم الأراضي من حيث المبدأ يعتمد على سعر البيع وإنما على قاعدة الدخل، فكانت القيمة تقدر حسب ثمن الغلة (الرز بشكل رئيسي) التي تنتجها الأرض وحسب معدل سعر الفائدة المصرفية.
وكانت أسعار المنتجات الزراعية تتفاوت كثيرا بين منطقة وأخرى حسب توفر طرق المواصلات والتقدم الاقتصادي لكل منها.
أما في المناطق السكنية في المدن فقد قدرت قيمة الأرض في البداية بطريقة مشابهة لتقييمها في المناطق الزراعية لكن ظهرت الحاجة لإجراء مسح أدق، ضمن خطأ 2% فقط.
بعد إلغاء الاقطاعات عام 1871 وإنشاء الولايات (المحافظات) صاغت الحكومة سياسات لتدعيم الثروة وقوة الجيش، مشجعة زيادة الإنتاجية والتصنيع والتربية المتطورة للحاق بركب الدول الأكثر تقدما. وكانت الحكومة تشغل مباشرة المصانع والمناجم ووسائل النقل العام.
وفي عام 1872 أصدرت قانون البنك الوطني؛ وكانت النتيجة إنشاء أربعة بنوك بحلول عام 1874؛ ثم أنشئت خمسة بنوك زراعية وصناعية وعامة أخرى بحلول عام 1880 وفي هذا العام صدرت القواعد العامة لنقل ملكية الدولة إلى القطاع الخاص، وهذا يعني خصخصة المؤسسات العامة، وبعض تلك المؤسسات ما زالت قائمة وأصبحت من أكبر المؤسسات في اليابان وفي العالم. وتضمنت عملية الخصخصة وضع أسس تقييم عقارات تلك المؤسسات. استمر بيع المؤسسات العامة للقطاع الخاص حتى عام 1896 ودعم ذلك رأس المال الصناعي ومهد الطريق لإنشاء نظام انتاج راسمالي، وساعد على ذلك أيضا تحسين التسهيلات المصرفية.
وقد أعطيت أهمية خاصة للعقار ولتأسيس نظام ملكية خاصة حديث. ومنذ ذلك الوقت اصبحت التسهيلات المصرفية ميسّرة وقادرة على تأمين حقوق الملكية عبر الارتفاع المتواصل في أسعار الأراضي.
أصبح العقار يقدم كضمان للدين مما أوجب تطوير نظم التقييم العقاري. صدرت قواعد تقييم الضمانات عام 1897. ومع تنامي الصناعة الآلية الشاملة حصل طلب متزايد على الأرض نتيجة تشكل مناطق صناعية وتوسعها وتزايد عدد سكان المدن. وتطورت نظرية تقدير القيم تدريجيا مع تزايد قيمة الأرض، فأجريت مراجعة شاملة لقواعد تقييم الضمانات ست مرات بين 1905 و 1941، وأصبحت هذه القواعد نموذجا صيغت على أساسه أنظمة تقييم التسهيلات المصرفية المرتبطة بالعقار. وأسست شركات مختصة بتقييم العقار منذ بدايات القرن العشرين. ثم تطورت الرأسمالية اليابانية إلى مرحلة الإمبريالية مع توسع اليابان عسكريا واحتلالها عدة مستعمرات، وتأسست شركات ومؤسسات خاصة لإدارة المستعمرات.
في عام 1934 تأسس المعهد الياباني للعقار وأجرى دراسات متنوعة عن العقارات واسعارها مثل اسعار البيوت الخشبية والأشجار ومؤشرات الأسعار، وأصبحت هذه الدراسات تمثل قاعدة مرجعية لممارسات تقدير قيم العقار في اليابان.
ظهرت شركات عقارية متخصصة منذ عام 1896، وتضمن عملها تقدير قيم العقار وإدارة العقارات والتوكل بها. وشيئا فشيئا اصبح تقييم العقار مهنة مستقلة ومعترفا بها؛ وطور المختصون نظرية التقييم التي كان جوهرها في البداية مفهوم القيمة ثم حل محلها مفهوم أحدث عبر نظرية الفرِدْ مارشل. ثم طبقت نظريات حديثة أخرى كتلك التي وضعها الفرنسي فردريك باستيا Bastiat والسويدي غوستاف كسل Cassel والنمساوي يوجين فن بوم بفيرك Bohm-Bawerk واصبحت الجامعات تمنح شهادة الدكتوراه في تقدير القيم.
3- استملاك الأراضي:
وضع دستور "اليابان الإمبريالية" عام 1889، وتلاه بعد سنة صدور القانون المدني الذي أوضح حقوق الملكية الخاصة بالتفصيل. وعام 1900 اكتملت صياغة نظام الاستملاك أو حق الحكومة في مصادرة الملكية الشخصية (EMINENT DOMAIN SYSTEM) ليتلاءم مع القانون المدني. وفي تلك الفترة بدأ تطوير شبكة سكة حديدية على مستوى اليابان إضافة إلى مشاريع تنموية أخرى واسعة شملت تحسين الأنهار والبنية التحتية والأشغال العامة، فكثرت النزاعات حول القيم المقدرة لتعويض الأراضي التي تستملكها الحكومة؛ وظهرت الحاجة لتطوير نظام تقدير القيم لهذا الغرض.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945) وضع دستور جديد وروجع نظام الاستملاك القديم عام 1951. وكانت قوات الاحتلال الأمريكية تمارس مصادرة الأراضي دون اعتبار للقوانين البلدية. وطبقت سلطات الاحتلال إجراءات إصلاح زراعي لتفعيل ونشر الديمقراطية في اليابان. صادرت الحكومة كافة الأراضي التي اختفى أصحابها (قتلوا أثناء الحرب...). كما حددت ملكية الأراضي الزراعية بهكتار واحد (عشرة دونمات) للمالك وصودر ما زاد عن ذلك ليباع لمزارعين آخرين. وخلال الفترة 47-1950 صادرت الحكومة وفوضت نحو مليوني هكتار من الحقول ونصف مليون هكتار مراعي و 103 مليون هكتار من الأراضي غير المستغلة. حددت الحكومة سعر شراء الأرض بأربعين ضعف قيمة الإيجار لحقول الرز و 48 ضعف قيمة ايجار الحقول المحروثة.
4- الزلزال الكبير عام 1923
في أيلول 1923 ضرب زلزال مدمر قوته 7,9 مناطق طوكيو وكنغوا وشيبا، فدمرت طوكيو ويوكوهاما وقتل 133000 وجرح 104000 ودمر 447000 منزل التهمتها النيران الناتجة عن الزلزال، عدا 130000 منزل أخرى دمرها الزلزال أو موجات تسونامي. سبب الزلزال شللا للإدارة الحكومية المركزية وتراجعا اقتصاديا كبيرا. لكن اليابان استعادت نشاطها سريعا، وتولت بلدية طوكيو أعمال العمران مركزة على مشروع إعادة تحديد الأراضي، والذي اعتمد على استخدام تقدير القيم لحساب التعويضات بدل الأجزاء المقتطعة من الأراضي.
اكتمل مشروع تعمير طوكيو عام 1930. وفي عام 1940 أجري مسح لأسعار الأراضي في طوكيو وأعيد المسح سنويا بعد ذلك باستثناء سنوات الحرب ثم شكلت لجنة مسح أسعار الأراضي لتصدر دراسة سنوية لأسعار الأراضي في 23 منطقة من طوكيو ومنذ عام 1970 طبق نظام نشر أسعار الأراضي.
5- الذعر المالي:
ترك زلزال عام 1923 آثارا كارثية على الإقتصاد وعلى السوق المالي وأدى إلى حصول الذعر المالي (Panic) الذي بدأ في 15 آذار 1927 عندما توقف مصرفان كبيران عن الدفع ثم تبعهما في ذلك عدة بنوك أخرى فانهار سوق الأسهم. وقد أفلس 37 مصرفا بين آذار وأيلول من ذلك العام فتدخل البنك المركزي وقدم قروض الطوارئ، وصدر قانون تعويض الخسائر ونشط تقييم العقارات لاستخدامها للقروض.
6- الثلاثاء الأسود:
شهد يوم الثلاثاء 24/10/1929 انهيار سوق الأسهم في نيويورك، الذي عرف بالإنهيار الكبير (Big crash)، وافلست بنوك أمريكية كثيرة نتيجة المبالغة في تقدير قيمة العقارات المقدمة كضمانات للقروض. وهنا شعر الجميع بالحاجة لوضع نظام تقدير قيم عقاري دقيق ومناسب، فأنشيء المعهد الأمريكي للمقيمين العقاريينThe American Institute of Real Estate Appraisers عام 1932 ومنذ ذلك الحين لعب هذا المعهد دورا كبيرا في تطوير نظرية التقييم في أمريكا. وقد طالت الأزمة المالية اليابان التي كانت قد اعتمدت النظام الدولي لتبادل العملة.
7- إنشاء نظام التقييم:
بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية خسرت مستعمراتها وعاد للوطن ملايين من اليابانيين، فجمعوا في جزر مزدحمة ومدمرة بسبب الحرب. كان الناس يعانون من نقص الطعام ولا يملكون مأوى أو عملا؛ كما أن التضخم وارتفاع الأسعار كان كبيرا وغرقت اليابان في حالة من اليأس والفوضى. لكن النظام استعيد تدريجيا تحت سلطة قوات الحلفاء، وحولت مصانع الأسلحة إلى مصانع سلع مدنية، وتحسن الانتاج الزراعي. وفي 9/9/1951 اعترف مؤتمر سان فرنسسكو بسيادة اليابان بناء على اتفاقية السلام.
وفي الوقت نفسه تحولت اليابان من الفحم إلى النفط كمصدر للطاقة، وطورت الصناعات الكيميائية الضخمة وصناعات الفولاذ لتصبح اليابان أكبر دولة منتجة له، كما طورت صناعات السفن والسيارات رغم فقر اليابان بمصادر الطاقة والخامات المعدنية.
كل هذه التطورات جذبت ملايين المزارعين ليصبحوا عمالا في المصانع في المدن وضواحيها؛ وزاد الطلب على الأراضي السكنية، فارتفعت أسعارها ارتفاعا حادا، فتدخلت الحكومة وأصدرت عدة قوانين تتعلق بالأرض والعقارات وتقييمها.
صدر قانون تقييم العقار عام 1963 وسجل رسميا 420 مقيّما ومساعد مقيم عقاري. ومنذ ذلك التاريخ يعقد امتحان سنوي لخريجي الجامعات في مجال التقييم؛ ويتزايد عدد المقيمين ومساعديهم باستمرار (3795+1069 عام 1981). وفي عام 1964 صدرت معايير تقييم العقار التي جمعت القوانين والقواعد والنظريات المتوفرة والممارسة من قبل الحكومة والقطاع الخاص، إضافة إلى الاستعانة بالكتاب المرجعي في هذا الموضوع، الذي اصدره المعهد الأمريكي للمقيمين العقاريين. وتعاد مراجعة المعايير كل سنتين أو ثلاث، أو عندما تطرأ ظروف تتطلب ذلك.
8- نظام نشر اسعار الأراضي:
في تموز 1969 أعلن عن قانون نشر اسعار الأراضي. والهدف هو توفير مؤشر لأسعار سوق الأراضي العامة عن طريق نشر أسعار معيارية في المناطق العمرانية والمناطق المحيطة بها، والمساهمة في حساب قيمة التعويضات عن الأراضي المستملكة من أجل المشاريع العامة.
صدر في عام 1974 قانون استخدام الأرض حيث تقرر أن تجري كل ولاية مسحا لأسعار الأراضي بدءا من أول تموز كل عام.
أنشئت الجمعية اليابانية لمقيمي العقار في 1/10/1965 وهدفها هو المساهمة في نظام تقييم العقار عن طريق المحافظة على مكانة المقيمين العقاريين، وتطوير مستواهم، وأيضا تطوير مستوى مهنة التقييم العقاري.
في عام 1967 كان عدد الأعضاء 474 عضوا ووصل إلى 3821 عام 1980.
الخلاصة: كان هذا عرضا لكيفية نشوء نظام تقييم الأراضي في اليابان وتنظيمه وتطوره ليفي بالحاجات الاجتماعية وليتكيف مع الظروف المستجدة محليا وعالميا، وذلك خلال نحو 110 سنوات (1868 – 1980) مع استعراض تاريخ اليابان خلال تلك الفترة كخلفية لنشوء وتطور نظام التقييم. شهدت الأرض في اليابان تغيرات متواصلة، سواء بتأثير عوامل الطبيعة أو بتأثير الإنسان، فالجبال قد حولت إلى مصاطب لتستغل كأراض زراعية؛ وجرفت جبال لتردم جزءا من البحر، وأنشئت الطرق والسكك والجسور والموانئ والمصانع والمطارات والمدن ذات ناطحات السحاب. كل هذه غيرت تغييرا جذريا أحيانا قيم الأراضي واستخدامها. لقد ترافق جهد الإنسان مع التطوير التكنولوجي ودعْم رأس المال لإعطاء قيم جديدة للأراضي، وعلاقات مختلفة بين الأرض والبشر. وقد شهدت اليابان ازدهارا اقتصاديا استثنائيا منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، ما رفع قيمة الأرض وجعل منها قضية اجتماعية وسياسية هامة. وتطور نظام تقدير قيم الأراضي ليجاري هذه التطورات. وظهرت مهنة تقدير القيم جامعة تحت مظلتها آلاف المقدرين الذين يقدمون خبراتهم للبنوك والمؤسسات والمحاكم ويقيمون الأراضي المستملكة من أجل المشاريع العامة، ويساهمون في إنشاء الدليل الرسمي لأسعار الأراضي وتحديثه باستمرار.
div dir="ltr" style="text-align: left;" trbidi="on">
ReplyDeleteThank you for giving a comprehensive historical review of land valuation . The drastic changes Japan has seen since the Meiji period—that is, when the feudal system was overthrown and a contemporary private property system was instituted.
Surprisingly, the Japanese government started teaching farmers to carry out their own surveys, therefore enabling the creation of current accurate maps. Moreover, basing land value on agricultural output—especially rice output—reflects a thorough awareness of the economic dynamics under influence at the time.
With the development of specialised businesses and research institutions, so strengthening a strong financial system based on real estate as collateral, the real estate valuation system has developed to embrace sophisticated scientific and economic foundations. Concepts like "the right of expropriation" and the evolution of associated legislation also show a balance between personal property rights and the demands of general growth. Explore our extensive range of Topographic Survey by clicking this link to access our catalog, where you'll find detailed descriptions, pricing information, and customer reviews.